إدارة مخاطر الدولة
عادل الزبير
خلال الحرب الأمريكية–الإيرانية التي اندلعت عام 2026، تعرّضت عدة حسابات رسمية تابعة للحكومة السورية على شبكات التواصل للاختراق. وفي خضم الضجيج الذي رافق الحادثة، يبقى السؤال الأهم: ما هي المخاطر التي لم تنتبه لها الحكومة؟ المخاطر التي قد تتحول لاحقاً إلى أزمات داخلية، أو توترات خارجية، أو حتى شرخ دبلوماسي غير محسوب.
سلسلة المخاطر
عند النظر إلى اختراق حسابات رسمية في لحظة سياسية حساسة، يتضح أن المشكلة ليست في فقدان السيطرة على الحسابات فقط، بل في تداعيات متتابعة قد تنشأ من ذلك. من بين هذه التداعيات:
- مخاطر سياسية إذا نُشرت تصريحات مزيفة تُنسب للحكومة.
- مخاطر اجتماعية نتيجة بث الذعر أو نشر معلومات مضللة.
- مخاطر دبلوماسية إذا استُخدمت الحسابات لإرسال رسائل عدائية لدول أخرى.
- مخاطر أمنية في حال استغل المخترقون الحسابات للوصول إلى أنظمة أخرى.
- مخاطر اقتصادية بسبب فقدان الثقة أو تعطّل خدمات مرتبطة بالجهة.
هذه ليست مجرد آثار جانبية، بل سلسلة مترابطة من المخاطر التي تظهر عندما نتعامل مع الاختراق كحدث يمس المؤسسة والدولة والمجتمع معاً.
لماذا تتكرر الأخطاء؟
الجهات الحكومية غالباً ما تقع في الأخطاء ذاتها، ليس بسبب ضعف تقني فقط، بل بسبب غياب منظومة واضحة لإدارة المخاطر. من أبرز الأسباب:
- عدم وجود إدارة مركزية للمخاطر أو معايير موحدة على مستوى الدولة.
- اعتماد كل جهة على خبرتها المحدودة وتجاربها الخاصة.
- ضعف الوعي بثقافة المخاطر لدى الموظفين.
- غياب تقييم دوري للمخاطر وتحديث الإجراءات.
لهذا يصبح وجود هيئة وطنية تُعنى بحصر المخاطر ليس ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة لضمان استمرارية العمل وتقليل الهدر وتوحيد المعايير.
أمثلة على المخاطر المؤسسية
هذه بعض الأمثلة التي تظهر في أغلب الوزارات والهيئات، والقائمة أطول بكثير:
مخاطر مرتبطة بالأفراد
- احتكار معلومة أو إجراء حساس لدى شخص واحد فقط.
- مشاركة كلمات مرور أو حسابات بين الموظفين.
- غياب خطة بديلة عند غياب موظف أساسي.
مخاطر مرتبطة بالأنظمة
- عدم وجود نسخ احتياطي منتظم أو عدم اختبار الاستعادة فعلياً.
- الاعتماد على أنظمة قديمة لم تعد مدعومة.
- منح صلاحيات أعلى من الحاجة داخل الأنظمة.
مخاطر مرتبطة بالإجراءات
- غياب توثيق واضح للإجراءات.
- عدم مراجعة الإجراءات بشكل دوري.
- تضارب بين الإجراءات التقنية والإدارية.
مخاطر مرتبطة بالاتصال الخارجي
- حسابات رسمية بلا توثيق أو بلا مصادقة متعددة العوامل.
- غياب بروتوكول للتعامل الإعلامي عند حدوث اختراق.
- ضعف التنسيق بين الجهات عند وقوع حادثة مشتركة.
مخاطر مرتبطة بالحوكمة
- غياب جهة تراقب الامتثال للمعايير.
- عدم وجود إطار وطني موحد لإدارة المخاطر.
- ضعف الربط بين الأمن السيبراني وإدارة المخاطر المؤسسية.
كيف يمكن للهيئة المقترحة أن تُحدث فرقاً؟
وجود هيئة وطنية متخصصة يمكن أن يغيّر المشهد بالكامل عبر:
- إنشاء سجل وطني للمخاطر يشمل جميع الجهات.
- إصدار توصيات ملزمة وواضحة.
- توحيد المعايير التقنية والإجرائية.
- مراقبة الامتثال ورفع مستوى النضج المؤسسي.
- تقديم دعم فني عند وقوع الحوادث.
- نشر ثقافة وطنية لإدارة المخاطر.
في النهاية، ما حدث ليس مجرد اختراق حسابات، بل إشارة واضحة إلى فجوة مؤسسية في إدارة المخاطر. ومع توسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية، تصبح الحاجة لجهة مركزية ترى الصورة كاملة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.